عبد الكريم الخطيب
1182
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ » . [ الحياة . . والموت وحتمية البعث ] هناك قضيتان . . قضية « الخلق » وقضية « البعث » . . وإذا كان الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، لا ينكرون « الخلق » لأنه أمر واقع فعلا ، وأنهم هم أنفسهم بعض هذا الخلق - فهلّا سألوا أنفسهم هذا السؤال : لم كان هذا الخلق ؟ أو لما ذا خلقنا ؟ . وجواب واحد لا غير ، هو الذي يجاب به على هذا السؤال ، وهو أن هذا الخلق لم يكن لهوا وعبثا ، وأنهم إنما خلقوا عن علم ، وحكمة وتقدير ، لأن هذا الخلق ينطق عن حكمة بالغة ، وقدرة قادرة على كل شئ ، وعلم محيط بكل شئ . . ومن كانت تلك صفاته لا يكون منه لهو أو عبث . . ثم إن هذا النظام الدقيق المحكم ، الممسك بكل ذرة من ذرات الوجود ، أيدخل عليه شئ من اللهو والعبث ؟ إنّ اللاهي العابث ، لا يتقيد بنظام ، ولا يجرى أعماله على توافق وترابط ، وانسجام ، بل يفعل ما تمليه عليه نزواته ، وما تصوره له أهواؤه ! وإذن فالناس لم يخلقوا عبثا ، ولم تجىء بهم الصّدفة ، كما يقول بذلك الماديّون والملحدون ، وإنما هم غراس غارس حكيم ، عليم ، قادر ، مدبر . . هذه قضية . . لا بد من التسليم بها ، وفي إنكارها مكابرة في الحق ، ومجادلة بالباطل . . ومن مقتضى التسليم بهذا أن يسلّم أيضا ببعث الإنسان بعد موته ، أو بمعنى آخر ، امتداد حياة الإنسان ، وانتقاله من دار إلى دار ، ومن عالم إلى